اذا كنت من محبي السفر والمغامرة واذا كنت من عاشقي السفن ,البحار و الجزر فاليونان هي وجهتك المثالية. هي مهرب البحث لشيء يختلف عن حياة الروتين القانعة التي نحياها كل يوم.

لقد سحرت اليونان خيالي منذ ان كنت طفلا صغيرا ,والشكر في ذلك يعود الى التاريخ الذي يجعل من جزر اليونان الثلاثة ألاف و عبًاَراتها المائية المنتشرة في كل أرجاء بحر أيجه ملحمة يمكن تمثيلها في مسرح الأوبرا.لقد أردت الترحال بالاسلوب القديم، بحيث أتعمق داخل أحشاء البلاد بدلامن الجلوس على شواطئها متحولا الى قطعة من الطين الناضج ومقفلا عيناي وكأني أراقب بطانة جفوني.

تمكنت من زيارة كل الجزر و الجزر التي لم يحلم أحد  بزيارتها في حياتهم.ولقد جذبَت تفاصيل رحلتي كل من أخبرتهم عنها. وعند عودتي بعد غياب دام ستة أشهر, أمطر عليا  أصدقائي وابل من الأسئلة يستفسرون فيها عن أي من الجزر الستة و الثلاثين كانت المفضلة لدي.

Greec_aانه سؤال صعب الجواب بما أنه ليس هناك وجه شبه بين أي جزيرتين فاحداهما تمتلك شواطيء رائعة و تفتقر الى الأثار,  بينما الأخرى تحتوي على بقايا وافرة من الأثار و لكن لايوجد بها مطاعم محترمة.

سأسرد فيما يلي أفضل الجزر بناءً على ماتبحث عنه من عزلة, شواطيء, جاذبية والطعام الجيد أو التاريخ.

أفضل الشواطيء

تقع جزيرتي «تشينوسا» و «اراكليا» في أسفل الجزيرة الصغيرة «سيكلادس» الواقعة جنوب جزيرة «ناكسوس» .و تستطيع أن تقطع المسافة بين الجزيرتين في مدة بالكاد تصل الى عشر دقائق. توصف جزيرة «اراكليا»بالمغبرة , فشواطئها مهجورة ومنسية بينما تمتد شواطيء جزيرة «تشينوسا» بطول 11 كيلومتر, مما يجعل هذا الطول فرصة سارة لمحبي رياضة المشي .

تقع معظم أفضل الشواطيء في الجزء الشمالي من البلاد ويمكن الوصول اليها من خارج المدينة  بعد المرور على مزارع  ذات جدران حجرية تقبع فيها الحمير و الأحصنة و الماشية التي ترتعي بهدوء و توجد فيها الكثير من الأشجار المحملة بفاكهة التين المتناثرة بين كل بضعة أمتار وقريبة من متناول اليد. أما الشاطيء المفضل لدي «ريموت فيكاو» الذي يمكن الوصول اليه عن طريق «سيركيوتيوس» وهو طريق ترابي تعبر من بينه المروج و بساتين الزيتون الى أن تصل الى شاطيء صقلِلي خليجه رملي يحتوي على مياه صافية و غير عميقة ومساحة لا تكفي الا القليل من الناس ,هذا الشاطيء بسيط الامكانيات لا يوجد به أي تجهيزات أوحتى  كراسي للتشمُس.

أفضل اماكن الطعام

لدى معظم الناس توقعات عالية المستوى عن الطعام اليوناني ويعتقدون أن المائدة الوطنية تُعد في مقلاة عميقة و كبيرة يطبخ بداخلها سمك «الكيليمارا» و»سيوفلاكي», و سلطة مغطاة بجبنة «فيتا» و البطاطس المقلية.

ان السكان المحليين مهوسين بأكل السمك الطازج ,أما أنا فأعترف بأني لم أشاركهم هذا الهوس الى أن زرت جزيرة «باكسوس». ففي مطعم «تاكا تاكا» الواقع خلف المربع الرئيسي في «جايوس» قام رئيس الطهاة و مالك المطعم الذي يرجع تاريخ أفتتاحه الى عام 1960بتقديم طبق مكون من عقرب البحر وهو نوع من الاسماك المطبوخ بمرقة الكراث ,لقد كان هذا الطبق شهي وفي غاية اللذاذة.

ولمحبي الأكل النباتي و اللحوم نصيب من الطبخ عالي النكهة, فما عليهم الا التوجه الى «امورجوس»في جزيرة «سيكلادس».انها جزيرة جميلة وعند الضباب تبدو وكأنها تحوم بسحرها فوق بحر أيجه. في فندق و مطعم «باجالي» في قرية «لاجادا» المطلة على سواحل «أيجايلي» يتم شراء وتقديم الخضروات و الفواكه العضوية فقط ,حيث يتم تقديم أطباق الفاصوليا «فافا» التي لايمكن تفويتها,كما تقدم أطباق لحم الماعز الذي يتم نقعه بالجبنة و الطماطم و الثوم طوال الليل و يترك على نار هادئة لمدة خمس ساعات.يتم تقديمها بالاضافة الى العدس و القرع المطبوخ الذي يؤلف من هذا الطبق غداءاً لذيذا.

افضل المعابد الأثرية

ان أحد أفضل الدير الأثرية و أشدها للاهتمام هي «هوزوفاوتيسيس», و للوصول اليه يجب عليك القيام بنزهة جميلة على الأقدام الى أسفل المنحدرات الجنوبية «أمورجوسس فينيتاين» وعاصمتها  «هورا».ستمشي من عند الطاحونة الهوائية في أعلى البلدة على طريق وعرة توصلك الى أسفل الجبل,انها الطريقة المثالية لهضم طعام الغداء والتمتع بالمناظر الرائعة و المطلة على البحر.

تحتاج لارتداء البنطال اذا أردت دخول المعبد الأثري الشاهق الارتفاع و الذي يعود بناءه للقرن العاشر,انهذا البناء العتيق متماسك و

رحلة الى اليونان

صامد على الصخور الشاهقة و المنحدرة فوق جبل النبي الياس الذي يعلو ارتفاعه الى 300 متر فوق سطح البحر.

عند دخولك المعبد يقوم الرهبان بالترحيب و بتقديم شراب عرق السوس التركي لمساعدتك على التخلص من الارهاق و استعادت الطاقة التي بذلتها للوصول الى الدير.  اذا كنت قد تعبت من المشي و هبطت عزيمتك من العودة مشيا على الاقدام، ينتظر خارج المعبد باص يقوم باعادتك الى أعلى الجبل.

افضل مكان للهدوء والراحة

اذا كنت جادا في الحصول على الهدوء و الهروب من غوغاء المدن و ازعاج الحضارة,استقل  القارب السريع الى «باتموس» ومن ثَم الى جزيرة صغيرة تدعى «ماراثي» .ستُستقبل في فندق «باندليس» لعائلة «اميليانوس»الذي تم بناءه قبل ثلاثين عاما تقريبا,و سيروي لك المالك عن كل محتويات الفندق من الأسَرة التي تناموا عليها الى أشجار النخيل التي تجلسون تحتها وكيف تم الاعداد و  بناء الفندق بدون أي مساعدة ميكانيكية وكيف اعتمدواعلى ايديهم و قوَتهم الشخصية فقط  في البناء و التجهيزعلى مدار السنين السابقة.

يقوم مالك الفندق و زوجته وابنته باعداد طعام ممتاز وكله من صنع أيديهم، من شدة اللذاذة و كثرة الأكل يمكن ان تزيد عدة كيلو غرامات,لذا من الأحسن لك الخروج من الفندق و التنزه لمدة أربعين دقيقة حول الجزيرة,ففي هذه الجزيرة الشيء الوحيد الذي يمكنك عمله بجانب الأكل و الشرب و النوم هو المشي في المساء حول الجزيرة و الاستمتاع بمشاهدة الدلافين تلعب بالقرب من الشاطيء و من ثم العودة الى الفندق و الاستمتاع بأُمسية جميلة و عشاء لذيذ,نذكرك بأن الهدف من زيارة  الجزيرة هو الحصول على الهدوء و الخلوة لعدة أيام.

افضل الاماكن التاريخية

اني من أشد المعجبين بجزيرة «رودس», وهي الجزيرة التي تحتوي على أفضل حصون القرون الوسطى, ومن الصعب عدم الاعجاب بهذا الابداع الذي تم بناء جدران المدينة الذهبية الضخمة بأيدي فرسان « الهوسبيتاليرس» في القرن الرابع عشر, هذه المدينة التي رحَبت بكل من لجأ اليها في الظلام الدامس.

Greec_aفي الجزيرة يقبع قصر «جراند ماسترس» الذي تم تفجيره في القرن التاسع عشر ومن ثم أُعيد بناءه في عام 1930 كمنتجع للرئيس «موسيليني» و الملك «ايمانيول»الثالث,والذي لم يتم استخدامه من قِبل أي من هاذين الشخصين.

من المفاجيء أن المدينة ليست أحد مواقع منظمة اليونسكو لحماية الأثار و صيانتها ,مع أن المدينة لا تمثل الحياة الصليبية السابقة فقط بل يوجد فيها بقايا المساجد المهترئة والمكتبة الاسلامية و الحمام التركي, كل هذه المواقع تقدم فرصة مثيرة للنظر داخل الحضارة العثمانية التي كانت موجودة في ذلك الوقت عندما كانت تحت وصاية الامبراطورية العثمانية الى عام 1912 .

في متحف المدينة للأثار ,لفت انتباهي من بين الصناعات و المنحوتات القديمة التمثال الرخامي الجميل «أفروديت» الذي تم انتشاله من مياه الميناء, و يمثل هذا التمثال ألهة الحب عند الاغريق.

في أقصى الساحل الجنوبي يوجدأحد أهم المواقع الباهرة و المتمثلة في معبد « أكروبوليس» الذي يقف معلقا فوق بلدة «ليندوس» , يرجع عمر هذا المعبد الى 2,500 عام, ويقبع في قلب المجمع الأثري القديم, و يجلس عاليا فوق صخور البلدة الضخمة.تستطيع أن ترى  الأعمدة البارزة عن بعد أميال وهي الأن تخضع لعملية ترميم شامل.

جلست أراقب بنائين و مهندسين وقتنا الحاضر وهم مجهدون,يناضلون و يسبون عند قيامهم بتبديل الحجارة الخاصة بالموقع وأخذت أفكر في أجدادهم القدماء الذين قاموا ببناء هذه النصب بكل براعة وفخر دون كلل أو ملل.

أفضل المشاهد

أفضل المشاهد التي يمكنك زيارتها تكمن في الصورة الرائعة التي تجسدها جزيرة «سيفالونيا» ,انها أكبر جزر «الأونيون»,وتقع على الساحل الغربي من اليونان, وتتميز بمكانتها الدينية. لقد تضرر الجزء الأكبر من الجزيرة بسبب الزلزال المدمر الذي وقع عليها في عام  1953.

لكن سرعان ما استعادت الجزيرة جمالها و سحرها, ففيها تقع قرية الصيد «أسوس» التي طويت بعيدا في الطرف وتميزة بلون أرضها الكستنائي, يقع القصر البندقي أو الفينيسي كما يطلق عليه و يمثِل المكافئة التي تفتخر بها القرية, ويعتبر القصر من أهم و أكثر المشاهد اثارة على الجزيرة.

على جزيرة «كرباثوس» تستطيع الوصول الى مستوطنة «أوليمبوس» المعزولة في الشمال, وذلك عن طريق ركوب القارب من العاصمة «بيجاديا». ان البلدة متدلية من على جانب الجبل مكونة سلسلة من المنازل المزينة ,أما النساء فيها فما زلن يرتدين الأزياء التقليدية القديمة المؤلفة من التنانير الغنية بالزخارف و الأكوات المخصرة والأحذية المخاطة من جلد الماعز.

في أثناء هذه الرحلة قررت أن أتجول بالسيارة صعودا الى الجبل فوق الأرض الوعرة الناتئة على ظهر الجزيرة حيث تملًكني الاحساس بالبهجة والاثارة لقيامي بهذه الرحلة التي دامت ستت أشهر، و عند وصولي الى قمت الجبل المسننة ترجلت من السيارة أتأمل منظر الحجارة المتساقطة من أعلى الجبل و كأنها تسابق المراكب المبحرة في البحر المتلأليء من على بعد ألاف الأقدام.

بالطبع هناك الكثير ممن يعاتبُني على عدم ذهابي لرؤية غابات «سموثراكي» الجميلة  في الشمال, و يعاتبني لعدم التطرُق للقلب الذي يدق في تربة «ديلوس»، وعدم ذكر التماثيل الأثرية المهجورة المتناثرة فوق جزيرة «ناكسوس» , وغيرها من الجزر التي تجاوزت.

في رأي, أنك تستطيع أن تقضي وقتا طويلا من عمرك في استكشاف الأرخبيل لكنك ستكتشف أن هناك المزيد لتراه ، أعذروني ,لقد حاولت كل ما في وسعي لأرى الكثير و أنقل لكم كل المثير لكني لم أبقي هناك الا لستت أشهر فقط.