shutterstock_57275938كنت اتجول  بين المطاعم المصطفة بجانب بعضها البعض والممتلاءة بمأكولاتها الامتناهية والتي ابهرتني في ذلك اليوم،والأكثر من ذلك،عندما كشفت لي امراءة متواضعة اسمها “تيكو” كيف يمكن للمرء ان ينفذ الى طبيعة الحقيقة عن طريق التأمل،كان مساء يوم سبت، وكنا نقف خارج محل احد طهاة المعجنات المشهورين “توشي يورازوكا” ،وقبل هذا انتظرت لمدة نصف ساعة على مخرج المطعم الجديد للكعك المحلى ” كرسبي كريم دوفنتس” في “شنكجوكو”، ولكنني تخليت عن الانتظار عندما امتد الطابور والتف حول الزاوية الى ان وصل امتداد دورانه الى مدخل المطعم الذي امتلء بالناس و ازدحم بالمخدِمين المسرعين لانجاز عملهم.

كما وقفت في صف لتذوق حلوي الاكلير بنكهة الشاي الاخضر في مقهى “براسيراى” للطاهي الفرنسي المشهور “بول بوكيو” في مركز الفنون العالمية ، وكان امامي سيدتان تنتظران بصبر و ترتديان الزي الياباني “الكمون” في صف يتألف من مئة و ثمانية وثلاثون شخصا،(لا تستغربوا ،لقد قمت بالعد!).

يطلق “توشي يورازوكا” اسم “سالون دي ديزيرت ” على معجناته المميزة،ورغم ان صفّه لم يكن الاطول ولكنه كان الاكثر ابهارا.

طهاة المعجنات هم الاكثر تألقا على مدار السنة ،والموضة تعني لهم تجسيد الشعور بمشاهد الطعام في”طوكيو”،و يشتهر “يورازوكا” بكعكة بستاتشو  والتي قام بتحضيرها امام ترحيب ضخم على شاشات التلفزيون الوطنية حيث يقوم مجموعة من نجوم البلد الناشئين بالترويج لكعكة “سالون دي ديزرت”،ويتم ذلك بجلوسهم على طاولة سوداء مصنوعة من الرخام الاسود اللامع حيث يقوم الطاهي بتحضير ابداعاته .

يبدء معدي المعجنات المتمرسون عملهم في المدينة كل يوم عند الساعة التاسعة صباحا ،ولكثرت اقبال الناس على الشراء منهم لم أجد الا الانتظار في الصف الثاني لاشتري المعجنات الجاهزة .

يصر” يورازوكا ” على تحضير خمسة عشر الى عشرون عجنة فقط في اليوم للحفاظ على طزوجتها ، تقوم أنسة معها لوح مشبكي و ميكرفون و سماعة أذن بادخال الناس الى البهو بشكل منظم ، وفي الداخل قام الناس بشراء معجنات الاكلير الذائبة وغيرها من المعجنات المميزة والكثير منهم قاموا بالتقاط صور لمشترياتهم بكمراتهم الرقمية الصغيرة ،وعندما وصلنا الى الباب سألت السيدة”تيكو” عن أي من اللذائذ الموجودة يستحق عناء هذا الانتظار،أجابت بأنها لم تتذوق أي منها بعد. تعجبت من ردها وسألتها لماذا اذا انتظرتي و بكل صبر خارج هذا المحل الصغير لكل هذا الوقت ،فأجابت بأنها تعتقد بأن المعجنات فيه لابد وأن تكون لذيذة للغاية.

اذا،هكذا هي الحال في طوكيو، عاصمة جنون الطعام او الامة الاكثر هوسا بالطعام في العالم ،ومثل ابناء عمومتهم خبراء الطعام الصينيين يوجد لدى اليابانيين ثقافة طهوية تعود للقرون السابقة،ولكن الوقت الحاضر هو عصر طهات الانترنت و التلفاز والتى وصفها صديق ياباني ذوَاق بقوله أن البلد في قبضة الجنون،و بعد مرور اربع عشرة عاما على أول حلقة من مسلسل الطاهي الحديدي نشرة جريدة واشنطن بوست الامريكية تقريرا يبين ان ما بين خمسة و ثلاثون الى اربعين بالمئة من البرامج المذاعة على الصعيد الوطني في التلفزيون الياباني تتضمن برامج للطبخ.

يوجد بمدينة طوكيو وحدها الفيّ مطعم ايطالي وهذا الرقم يشكل ضعفي عدد المطاعم في نيويورك.

ابحر في عالم الانترنت وسوف تكتشف مواقع مكرسة للمعجنات اليابانية و معكرونات سوبا و سيكس وكذلك للمشروبات الفرنسية و الاستمتاع بمذاق الكومبو هذه العشبة البحريةالمسطحة ذات القوام السميك والتي تعرف لدينا كأحد انواع طحالب البحر.

يقول ناقد المطاعم المشهورة  الياباني” روباي سوينرتون” في جريدة “اليابان تايمز” أنه يوجد في اليابان ازدهار لجميع انواع الطعام ، قبل عدة سنوات كان هناك ازدهار لحلوى الترميسو وكان الجميع يأكلونها كما كان هناك ازدهار للمعجنات وما زالت مزدهرة في ايامنا الحالية ،وكذلك ازدهار الشوكلا والتى استمرت لثلاث سنوات ،وفى الوقت الحالي اليابانيون مهوسين بالمطاعم الاسبانية ويرجع السبب في ذلك الى ازدهار استهلاك لحم الابركو الاسباني.

كنا نجلس فى مقهى “رتز كارلتون” الجديد و الذي تم افتتاحه هذا الربيع في مكان المدينة الجديد لموضة المأكولات في الساحة العامة للتسوق في “روبونجا” تسمى “طوكيو مدتاون“، في الدور الرابع والخمسون حيث توجد ردهة المقهى حيث تكلِف  قيمة المشروب الواحد65$  أو 14,700$ للمشروب الخاص،اذا كنت لاتريد دفع مثل هذه المبالغ فبامكانك التوجه الى ساحة المدينة و الاختيار من بين اربعة و ثلاثون مطعما جديدا والتى من بينها مقهى  “توشي يورازوكا” للمعجنات أو مقهى “يونيون سكوير ” النيويوركي فرع طوكيو ، ويمكنك التجول بين المطاعم و الدكاكين ومشاهدت مقادير كثيرة من المأكولات اليابانية المزدهرة .

يوجد لدى اليابانين الولع بالموضة و العادات حيث توزع المأكولات المتقنة كهدايا ولديهم الاهتمام و الولع الشديد بالعروض و التقنية و الولع الشعبي بالتحرك على شكل مجموعات متلازمة،عندما تم افتتاح (مدتاون) قال لي أحد ارفع طهاة (بانيكد) أن 170,000 شخص تدافعوا الى داخل المجمَع وبعد شهر من الافتتاح مازالت طوابير الاقبال مصطفة أمام جميع المطاعم .

في محل “نوكيا” يوزع ماقيمته عشرين دولار من شوكلا “جراندكرو” داخل علب شفافة لامعة شكلها مثل علب المجوهرات، وفي بوتيك الفواكه “اتيلير دو سوليل” تباع منجه جميلة الشكل و الحجم بما يعادل مائة دولار للحبة الواحدة ،بالطبع هذه ليست أسعار المنجه التي تشتريها من السوبرماركت العادي ،قال لي أحد خبراء الفواكه في طوكيو أن هذه المنجا سوف تغيير رأيك في المنجا الى الابد وتبدل طريقة تفكيرك .

في هذه الايام تجد منجا تغيير الرئي موجودة في جميع أرجاء اليابان! ،وكما ان لندن تتبع انجلترا و باريس تتبع فرنسا فان طوكيو تتبع اليابان والتي عينت نفسها بعاصمة الموضة و دار المعارضة لكل مسألة تخص عالم المال و الموضة و المأكولات.

في أثناء تجوالي الطهوي الموسع في أنحاء المدينة استمتعت بتجربت شراء الفواكه مرتفعة الاسعار بالاضافة للعجائب الاخرى،كما استمتعت بتجربت أكل أحشاء سمك الانكليس و أسياخ رحم الدجاج و شرائح اللحم البقري”كوب” التي يعلو الوصف طراوتها التي تذوب داخل فمك بمجرد وضعها فيه.

استيقظ عند الساعة الرابعة و النصف صباحا و أقف في الصف لشراء طبق”جولديني سنابر سوشي” ،انني أُفضل مطاعمهم الايطالية الصغيرة والتي هي بنفس جودة المطاعم في ايطاليا والتي يقوم العاملين فيها  بتقديم زبادي معكرونة الباستا المجهزة بشكل رائع و المغطاه بسمك” ارتشن ” البحري الطازج من “هوكييادو”.

لقد قمت بزيارت متحف في “يوكوهاما” خارج ضواحي طوكيو و المكرس كليا لبيع معكرنة “رامن نوديل” حيث يمكنك الحصول مقابل عشرون دولار على “انكانالي” مذاب “مادلاين“و المصنوع كليا من البلاستيك، كما يمكنك في المدينة الترافق مع البارعون في اعداد الطعام والذي يوجد الكثير منهم مثل البارعون في عمل الارز و البارعون في اعداد شراب “السيك” و “تمبورا“ومشروبات اخرى والكثير مما لايمكن احصاءه.

ان طوكيو مدينة مشهورة وهي مزيج من الازقة الخلفية و الاحياء القديمة و التي تكمن الكثير منها بعيدا عن الانظار على خلاف مدن اخرى ،مثلا في نيويورك يكون الخروج الى الغداء او العشاء  بمثابة حدث متكلِف، أما هنا فالكثير من المطاعم الممتازة تكون متوارية و الكثير منها تتطلب مقدمات حيث

اذا لم أخذك بنفسي الى المطعم فانهم لن يسمحوا لك بالدخول لانك اجنبي“هذا ما قالته لي احد السيدات اليابانيات

كما يوجد لديهم قائمة طعام محيرة ويصعب ايجاد موقع هذه المطاعم،لكن لحسن الحظ يوجد معي مرشدالرحلات الطهوية  وهو كأحد ابناء جيله الذواقة للطعام ،ينبذ حياة الموظف التقليدي وهو انتقائي لا يتبع نظاما محددا في عمله وملم  بجودة اللحم المقدد البسطرما و الموجود في دكان متشجن الكبير “زنجرمنس” للاطعمة المعلبة كما يمكنه تفسيرالتمييزبين الكثير من انواع المشروبات الموجودة في السوق ،يحمل هذا المرشد شهادة جامعية في القانون ولكن خبرته الحقيقية تكمن في ملاحقت اللذائذ الغامضة و الوجهات في مدينة يكون اتساع هذه الاشياء فيها بمثابة العملة الخاصة للمملكة.

يتنقل المرشد في ارجاء طوكيو ومعه دفتره الاسود الصغير يخربش عليه اسماء اماكنه المفضلة لبيع الزلابيا أو كما يسميها اليابانيون “جيوزا” ،او محلات بيع التونا الدسمة “اوهتورا” ،او يسجل اسماء ومواقع المحلات المفضلة لطوكيو المعاصرة للمشروبات الفرنسية “ذي فرنش ميدليان“.

بدأنا الاستكشاف كما يفعل سواح طوكيو هذه الايام برحلة في الصباح الباكر الى “تسوكاجا” أكبر سوق سمك في العالم ،بالنسبة للسواح اليابانين و من انحاء العالم أصبح زيارة هذا المجمع الكبير بمثابة حج الزامي و مساوي لزيارة الاهرام والنهوض لمشاهدتها عند البزوغ.

يأتي الناس الى السوق مخصوصا لحضور مزاد سمك التونا ،ولقد وقفت لوقت قصير في مخزن الثلاجات أشاهد حركة المشترين والبائعين وهم يتنقلون بين الاسماك الضخمة المعلقة و المقطوعة الرؤوس مرتديين أبوات مطاطية تساعدهم على الحركة وهم ينادون باسعارهم ويرنون اجراسهم لشد الانتباه ، ولكن السبب الحقيقي وراء ذهابنا باكرا الى السوق هو الانضمام الى حشد من محبي السوتشي و الوقوف في طابور لافطار السمك النيء في أخر محطة للسوق وفي بيت السوتشي حيث يوجد ثلاث عشر مقعدا لأكل السوتشي أسمه “سوتشي دايا” .

في صباح يوم الثلاثاء وعند الساعة الخامسة كان هناك خمسة عشر شخصا يقفون خارج بوابة هذه المنشأة الصغيرة والتي تقبع بجوار مقهى ومقابل محل يبيع قدور ومقالي. وبعد مرور ساعة من الوقت كان هناك أربعون شخص منتظرين. أما في أيام صباح السبت فيكون مطعم “تسوكاجا” مملوء بالزائرين مما يجعله أصعب مطعم يمكن الدخول اليه في كل طوكيو،وفي الساعة السادسة تمكننا من حشر أنفسنا في مقعدين في نهاية المقهى الصغير وفي الحال بدأ السوتشي بالظهور ،قطع من سمكبحري برتقالي وزهري اللون وذهبي العين ،ونوع اخر من سمك الاسقمري الفضي اللون مع مقبض من الفجل الحمر و البصل الاخضر والربيان الابيض الطازج الذي تم اسصتياده قبل ساعات من خليج “تشلي توياما” شمال اليابان .

في مدينة مليئة بالمتعصبين الطعام ،فان مناصرين السوتشي يبدون الاكثر ترفعا و الاكثر تشكيا و اكثر الناس تعصُبا .

ان التركيز يكون على بنية وحجم السمكة و بالاخص على نوعية الارز. انهم يحكمون على كبر حجم الحبوب و على مدة طهيها ،كما انهم يحكمون على كيفية قولبة الارز ليناسب البنية لسمكة معينة.

يوجد الكثير من مطاعم السوشي في طوكيو ولكن القليل منها يجمع الطزوجة والتقنية و السعر معا، يمكن ان يكون سعر السوشي محدد أو ان يقوم الطاهي بتحديد السعر الذي يراه مناسبا،ان قائمة الطعام تكلف 30$ مقارنة بما قيمته 110$ في مطعم “كيوبي” معروف.

الغداء كان في مطعم ايطالي صغير و أنيق في “جنزا” اسمه “لابيتولا أوتشيا“و الوجبة عبارة عن صحن معكرونة “دنت سبيجاتي” الممتازة والمخلوطة بالقنفذ البحري الحلو الدسم ، أما العشاء فكان في مطعم صغير اسمه “ريجن” وهو بيت “سياجي ياماموتو” الذوَاق الرئيسي في اليابان.

ان أب الذوَاقة الفردية هو الطاه المتهور الاسباني “فيرنادريا” و المعروف بتقديم الغرائب مثل بيض السمان مكسيا بأوراق ذهبية ، و أنابيب اختبار مملوءة بالرغوة .

ياماموتو” هو مساعد الكهنة في “أدريا” وسيد المطبخ التقليدي لامبراطور “كيوتو” و المسماة “كياسيكي“.

امتلأت قاعة الطعام المكونة من سبع طاولات بنبلاء طوكيو الاغنياء ولقد تضمن العشاء المتعدد الانواع من جلد سمك القرش المقلي و المقدم في داخل ورق الصنوبر،و السمك البحري المشوي و المغمور بفقاعات الليمون ، قطعة تفاح السلطعون المحلى و المجمد بأوكسيد النيتروجين تحت 106 درجة.

لقد قمت بسؤال النادل الذي كان قد وصل من” سدني” في استراليا و اسمه “تيكيو” عن أي من الشعبين الياباني ام الاسترالي هو الأكثر هوسا بالطعام؟ فأجاب واثقا أنهم اليابانيين و بكل تأكيد، وأضاف قائلا أن اليابانيين مجانيين فيما يخص الأكل!