shutterstock_100984333انطلق شعاع النور من إيطاليا ليغطي معظم أرجاء العالم القديم على مر العصور الغابرة، فآثارها وما تبقى من قلاعها وقصورها ومعابدها القديمة، هي أكبر دليل على مدى قوة وعظمة هذه الحضارة العريقة منذ القدم. ولا تزال إيطاليا حتى هذه اللحظة ينبوعاً غنياً للثقافة والتراث الحضاري، فهي تتربع على قائمة أكثر دول العالم حفاظاً على التراث العالمي، وذلك باحتضانها لـ 49 موقعاً من مواقع التراث العالمي المعتمدة من قبل منظمة اليونسكو. أما سر إيطاليا الحقيقي الكامن وراء هذه العظمة فيتمثل في شهرة تاريخها العريق، ومواقعها الأثرية، وفن عمارتها المذهل، ومتاحفها التي لا مثيل لها، ونمط حياة شعبها الفريد من نوعه، وعراقة فنون الطهي في مطبخها الغني عن التعريف. ولكن قبل كل هذه الخصائص المميزة التي تتحلى بها الحضارة الإيطالية، سنقف عند حقيقة قد يجهلها الكثيرون أو قد يغفلون عنها، والتي سنكشف من خلالها عن جوهرةٍ تحبس الأنفاس، وتسلب الألباب، وتملأ أعين الناظرين سحراً وجمالاً، ألا وهي روعة الطبيعة الإيطالية.

فأينما جال نظرك في أرجاء إيطاليا ستجد الطبيعة متجسدةً أمامك بأروع صورها، سواءً كان ذلك في البر أو البحر أو الجبل. وتعتبر الشواطئ الإيطالية الوجهة المثالية لعشاق الرياضات المائية، فهي تمتد على حوالي 4,660 ميلاً من الخطوط الساحلية، فضلاً عن تنوع طبيعتها وتشكيلاتها الجغرافية بشكل كبير، الأمر الذي يجعل منها مقصداً يلبي جميع أذواق المصطافين الباحثين عن سحر الطبيعة، أو المتعة والمرح، أو الراحة والاسترخاء. هذا وتنتشر الجبال على الأراضي الإيطالية من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، منحدرةً نحو السواحل لتبدع لوحةً رائعةً من الشواطئ الصخرية الحادة والنائية على ضفاف البحر التيراني والبحر الأيوني، إلى الغرب وجنوب شرق البلاد على التوالي، أو لتنتهي بشواطئ رملية ناعمة على ضفاف البحر الأدرياتيكي إلى الشرق من إيطاليا. وقد شهدت هذه البحار الفيروزية ولادة جزيرتين من أروع وأجمل الجزر على وجه الأرض، صقلية وسردينيا، بالإضافة إلى تشكل العديد من الأرخبيلات الصغيرة الساحرة.

 

هذا وتلمع سفوح جبال الألب على وقع أمواج البحر التي تعانقها على طول شواطئ الريفيرا الإيطالية، وخصوصاً في منطقة أبينين ليغوريا، التي تعتبر واحة منشودة لمختلف أنواع الحيوانات، بالإضافة لكونها وجهة رائعة لكل من يرغب بأن يمتع نظره بمشاهدة الطبيعة، أو من يبحث عن الإثارة والتشويق من خلال ممارسة الرياضات المائية، كما بإمكانكم التمتع بمجموعة متنوعة من الأنشطة في المحميتين الطبيعيتين “سينكو تيرره” و”بويتس غولف”.

 

أما إلى الجنوب الشرقي من منطقة ليغوريا فتترامى شواطئ شمال وسط توسكانا، التي تتميز برمالها الناعمة وسوية سواحلها التي تقودنا نحو الجنوب، حيث يشق خليج نابولي طريقه إلى البحر، ويليه ساحل أمالفي الساحر الذي يطل عليه الرعن الصخري المرتفع والشهير “سيلينتو”، ويمضي بنا هذا المسار الطبيعي الخلاب المليء بالجنان الرائعة والنائية المترامية على طول الطريق إلى “مضيق ميسينا”، الذي يفصل جزيرة صقلية عن بقية أراضي القارة الأوروبية.

 

هناك، ستقع أعيننا على أيقونة البحر التيراني، جزيرة سردينيا الرائعة، التي تتنوع شواطئها الساحرة ما بين صخرية ورملية، في ظل وجود العديد من الجلاميد الصخرية العملاقة، وعدة جزر كبيرة وصغيرة (مثل جزيرة مادالينا، وجزيرة كابريرا)، التي تجسد تحفةً فنيةً للطبيعية البحرية الخلابة التي تتمتع بها الجزيرة.

 

وعلى امتداد الأراضي الإيطالية باختلاف تضاريسها، تنتشر الجبال والتلال الغناء، المليئة بالبحيرات المتشكلة بين قمم الجبال، والغابات الساحرة، والقرى والمدن الغنية بالتاريخ والتقاليد، وبكل تأكيد، المليئة بكل ما لذ وطاب من أصناف الطعام. وبالإضافة إلى ذلك، هناك المنتجعات الجبلية الإيطالية الشهيرة والفاخرة، التي تتيح للزوار فرصة خوض تجربة ثقافية متميزة، ومزاولة مختلف أنواع الأنشطة الخارجية في جميع المواسم، وذلك بفضل سلسلة جبال الألب العظيمة التي تعبر العديد من المناطق، بدءً من ليغوريا وصولاً إلى وادي أوستا، وبيدمونت، ولومباردي، وترينتينو آلتو أديغى، وفينيتو، وفريولي فينيتسيا جوليا.

 

أما أهم وأروع وجهة لممارسة رياضة التزلج على المنحدرات الثلجية في جميع أنحاء العالم فتحمل اسم كورمايور، القرية التاريخية الوادعة المستقرة في قلب وادي أوستا، والمشهورة بجمالها وكرم ضيافتها، وعبق أجوائها بنسائم جبال الألب التي تدغدغ حنايا زوارها أينما توجهوا. في حين تتربع قرية سيستريير، الواقعة في مقاطعة تورينو، في قلب أكبر مناطق التزلج في أوروبا، والمعروفة باسم فيا لاتيا (أي، درب التبانة)، التي ينتشر بها 146 منحدراً ثلجياً، يبلغ طولها الإجمالي 400 كلم من المسارات الثلجية المتنوعة، وتتميز منتجعات قرية سيستريير بإمكانية التزلج على منحدراتها المضاءة خلال الليل.

 

وتخرج من قلب أحضان وادي فينيتو دولوميتس الذي يجسد جمال الطبيعة البكر بكل ما في الكلمة من معنى، قرية كورتينا دامبيتزو الهادئة، التي تتضاءل أمام عظمة قمم جبال دولوميتس الشاهقة المحيطة بها. بالمقابل سنجد قرية مادونا دي كامبيغليو التي تسابق السحاب في الأعالي، وهي لؤلؤ جبال دولوميتس، وتعتبر الوجهة المثالية لقضاء العطل والإجازات في كنف الجبال، لأنها تقع على ارتفاع 4,921 قدم، ولكونها من أهم مراكز التزلج على امتداد سلسلة جبال الألب.

 

وعلى الرغم من انخفاض ارتفاع قمم جبال الأبينين مقارنةً بقمم جبال الألب، إلا أنها تشتهر بكونها موطن بعض من أكثر مناطق التزلج إثارةً، ومنها روكاراسو وكامبو فيليس وريفيسوندولي. فضلاً عن وجود الكثير من المنتزهات الطبيعية في أراضيها، وغنى المنطقة بتراثها الثقافي، وتألق فنون الطهي في مطبخها، ومهارة حرفها اليدوية، وانتشار العديد من القصور والقلاع والأبراج والكنائس القديمة على طول طرقاتها.

 

علاوةً على جميع ما سبق، لا تقتصر الخيارات الطبيعية في إيطاليا على شواطئ البحر والجبال فحسب، فهناك أكثر من ألف بحيرة مشهورة برونق جمالها وسحرها الذي لا يضاهى، تنتشر في جميع أنحاء الأراضي الإيطالية، وكل منها تتميز بخصائص تختلف عن مثيلاتها، ومنها بحيرة غاردا وهي أكبر بحيرة في إيطاليا، وتشكل وجهةً سياحيةً محلية أثناء العطلات، وبحيرة ماتجيوري ثاني أكبر بحيرة في إيطاليا، وبحيرة كوموهافى. وتعتبر هذه البحيرات وجهات سياحية مناسبة لكل من يسعى لقضاء بعض الوقت تحت أشعة الشمس الدافئة، وللتمتع بربوع الطبيعة، كما أنها تشتهر بكونها مجهزة تجهيزاً كاملاً بكافة المنشآت الفندقية الفاخرة والمرافق الاجتماعية المتنوعة، بما فيها ملاعب الغولف، وأندية ركوب الخيل، وركوب الدراجات الهوائية الجبلية، التي تتيح للسياح اكتشاف سحر طبيعة البحيرات وروعة المناطق المحيطة بها بكامل عناصرها ومكوناتها.

 

ولا تنتهي كنوز وجواهر أراضي الرومان الطبيعية عند هذا الحد فقط، فهي لا تزال تخفي لنا الكثير، فإيطاليا تملك سمعة قوية على مستوى العالم بكونها من الدول الناشطة بركانياً، فأراضيها تضم ثلاث براكين نشطة، بركان إتنا في جزيرة صقلية، الشهير بمنحدراته البركانية التي تتداخل مع المنحدرات الثلجية مشكلة أعظم لوحةٍ أبدعتها الطبيعة، وتعجز أنامل الفنانين عن مجاراتها، فضلاً عن كونه أعلى بركان نشط في أوروبا. وبركان فيزفيوس في منطقة كامبانيا، المطل على مدينة نابولي، والذي يتمتع ببنية وهيئة فريدة من نوعها، نتجت عن اختلاف طبيعة ثوراته المستمرة ما بين ثوران “متفجر” وثوران “متدفق”. وبركان سترومبولي في جزر أيوليان، التي تسببت ثوراته المستمرة على مر القرون بظهور أرخبيل أيوليان المكون من سبعة جزر ساحرة الجمال، بالإضافة إلى العديد من الجزر الصغيرة، والجلاميد الصخرية العملاقة، المصقولة بيد الطبيعة وبأمواج المتوسط الزمردية.

 

تعتبر هذه البراكين الوحيدة من نوعها على مستوى القارة الأوروبية، وتتجلى عظمة مشاهدة ثوراتها الطبيعية في التجربة الشخصية التي تؤجج مشاعر أعين الناظرين إليها، بحيث تبقى محفورةً في الذاكرة مدى الحياة. كما أن غضب الطبيعة هذا يخفي ورائه رداءً أخضر من المتنزهات الطبيعية التي تحيط بهذه البراكين، وتجارب ممتعة لمحبي ركوب العربات التي تجرها الثيران، وعشاق التصوير، وهواة التزلج على المنحدرات الثلجية خلال موسم الشتاء.

هذا وتستوقفنا هنا حقيقة مذهلة، ألا وهي احتضان إيطاليا لأكثر من 1.5 مليون هكتار من المحميات الطبيعة (أي ما يعادل 5% من مساحتها)، و24 متنزهاً وطنياً، تشكل بمجملها قلب البلاد الأخضر النابض، التي يقصده الملايين سنوياً للتمتع بأجوائه الطبيعية. ومن بينها منتزه غران ساسو مونتي ديلا لاغا، الذي تبرز من بين مروجه أعلى قمم جبال الأبنين لتعانق غيوم السماء، وهي قمة كورنو غراندى التي يبلغ ارتفاعها 2,912 م، وينبع من حناياها أحد أكبر الأنهار الجليدية في جنوب القارة الأوروبية، نهر كالديرون.

 

وتتواصل مفاجآت الطبيعة الإيطالية التي لا تنتهي، فهي تفخر باحتوائها على أكبر عدد من المنتجعات الصحية الحرارية في العالم، التي تقدم جلسات علاج متنوعة لمداواة الجسد والروح، يعود تاريخها إلى حضارة روما القديمة، فهذه الينابيع الحرارية الطبيعية المنتشرة في جميع أنحاء البلاد تتيح للزوار فرصة خوض تجربة فريدة من نوعها قائمة على الرفاهية المطلقة، كما تشتهر هذه المراكز بخصائصها وجلساتها العلاجية المتفوقة في مجال العناية بالجمال.

 

يصب كل ما تطرقنا إليه حتى الآن حول طبيعة إيطاليا الساحرة في خانة غيض من فيض، فأسرار وكنوز هذه الطبيعة الخلابة التي ساهمت في ازدهار الحضارة الإيطالية على مر العصور، ولا تزال، من الصعب اكتشافها بالمرور عليها من خلال الأسطر والكلمات، فالكتابة بحد ذاتها تعجز عن رصد روعة هذه الطبيعة المتفجرة بكل مظاهر الحياة المتجددة، والطاقة الإيجابية، والبيئة الخصبة. وستظل تحمل على الدوام عنوان “وجهة العطلات المثالية طوال السنة”، مجسدةً بذلك أحد أسرار إيطاليا الخفية.